ابن حمدون

271

التذكرة الحمدونية

فاتني من اشترائها . فلما قدمت وقد فرغت ممّا وجّهني له ، وأدّيت إليه ما عملت به وحمد أثري فيه ، سألني عن حالي وخبري ، فأخبرته بمكان الجارية وكلفي بها . فأعرض عني وجعل ما بي لا يزداد إلا حدّة ، وقلبي لا يزداد إلا كلفا ، وصبري لا يزيد إلا ضعفا ، [ وسليت ] نفسي بغيرها فلم تسل عنها . وجعل المنتصر كلَّما دخلت عليه وخرجت من عنده يذكرها ، ويهيّج شوقي إليها ، وتحمّلت عليه بندمائه وأهل الأنس به ، وخاصّ من تحظى من جواريه وأمهات أولاده ، وأمّ الخليفة ، على أن يشتريها لي ، ولا يجيبني إلى ذلك ، ويعيرّني بقلَّة الصبر . وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى مصر في ابتياعها وحملها إليه من حيث لا أعلم ، فحملت وصارت إليه ، ونظر إليها وسمع منها ، فعذرني فيها ، ودفعها إلى قيّمة جواريه ، فأصلحت من شأنها . فلما كان يوم من الأيام استجلسني وأمر بها أن تخرج إلى ستارته ، فلما سمعت غناءها عرفتها ، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها حتى ظهر مني ما قد كتمت ، وغلبت على صبري . فقال لي : ما لك يا سعيد ؟ قلت : خيرا أيها الأمير ! قال : فاقترح عليها صوتا كنت أعلمته أني سمعته منها وأني استحسنته من غنائها ، فغنّته ، فقال لي : هل تعرف هذا الصوت ؟ قلت : إي واللَّه أيها الأمير ! وكما تكون المعرفة ، وقد كنت أطمع في صاحبته ، فأما الآن فقد يئست منها ، وكنت كالقاتل نفسه بيده ، والجالب الحتف إلى حياته . فقال : واللَّه يا سعيد ما اشتريتها إلا لك ، ويعلم اللَّه أني ما رأيت لها وجها إلا ساعة أدخلت إليّ وقد استراحت من تعب السفر واستراحت من شحوب التّبذّل ، فهي لك . فدعوت له بما أمكنني من الدعاء ، وشكره عني من حضره من الجلساء ؛ وأمر بها فهيّئت ، فردّت إليّ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة . « 523 » - حدّث محمد بن صالح العلويّ قال : حدثني نمير بن قحيف

--> « 523 » مصارع العشاق 2 : 148 - 151 ونشوار المحاضرة 6 : 256 - 260 والفرج بعد الشدة 4 : 354 - 357 وانظر الجليس الصالح 3 : 37 - 40 .